حلم الركض مع الريح
أتعامل مع التسويق مثل ماراثون، وليس سباق قصير المدى، وقد يحدث أحيانًا أن نبدأ العمل بكل حماس، ونخطوا خطوات الأرنب، ثم في منتصف الطريق نتباطأ وتصبح خطواتنا خطوات فكرونة! (1)
أنا أؤمن أن مايحبه المرء يطغى عليه، مثلما أؤمن أن ما يأكله المرء ينقح على جتته، وأنا أحب الركض، أو الجري، وقد نقح علي وعلى حياتي في عالم المال والأعمال، كما فعل الشطرنج.
«تعلمت في الشطرنج المعني الحقيقي لكلمات النبي محمد ﷺ "واعلمْ أنَّ النصرَ مع الصبر" واقتنعت اقتناعًا حقيقيًا بمبدأ صن تزو "الفوز للأكثر صبرًا" وتعلمت أن المباراة التي تتفوق فيها هي أصعب مباراة تفوز فيها، وانعكس هذا على حياتي.»
ليس الجري من الكلاب كما فعلت في صغر سني -ولازلت سأفعل إذا طاردني كلب- ولا الجري على أكل العيش -لأنه المثل يقول اجري يابن آدم جري الوحوش غير رزقك لن تحوش- ولا الجري خلف كرة جلد مستديرة من طلعتها لطيحتها، وإنما جري الخواجات، الذي تشعر أنه غير ممكن، وليس له مكان في حياتنا اليومية.
أتذكر في حياتي ثلاث مواقف اعتقدت فيها بأن الجري يحبني ولكن اتضح لي العكس، وتعقدت منه، وتميت تقول شايب؛ نقول أيش أخذنا من الجري، ومازالت هذه المواقف معلمة في حتى اليوم. (2)
الأول كان في ستاد دمنهور، كنت أدرس وقتها في مدرسة المياه، وفيها تعرفت على رياضات كثيرة، جربت الطائرة والسلة عن قرب، ولعبت الكثير من كرة القدم.
لما جاءت مسابقة للجري شاركت في سباق الجري 800 متر، بحيث أكون عداءً، مادون ذلك لايُعتبر عدّاء، ولا جرّاي حتى! وكان بالنسبة لي جيدًا، ليس قصيرًا جدًا فيتطلب مني الاندفاع بكامل قوتي والتسارع لثواني معدودة، ولا طويلًا جدًا فينقطع نفسي في منتصف الطريق. رحم الله امرؤ عرف قدر نفسه!
قبل السباق بأيام جربت إذا كان لياقتي تسمح لأول مرة، وانعجبت من روحي، قبل السباق أخذت المضمار جري وكلي حيوية على سبيل الإحماء، وانعجبت من روحي.
عندما انطلقت الصافرة جريت بكامل قوتي، ولكن في ربع السباق لم أعد استطيع رفع رأسي، وكان عزائي أنني أسبق 3 أشخاص، سبقني اثنان منهم، عرفت أنهم الأول والثاني، وكانوا يمرون بي في الجولة الثانية وأنا لازلت في الجولة الأولى، والشخص الثالث كان حافيًا، وكان سيضايقني كثيرًا أن يسبقني، حتى رأيت أصابعه المتربة تمر بجانبي (لم أكن أستطيع رفع رأسي).
اتضح لي فيما بعد أن الطاقة التي استخدمتها في الإحماء هي كل ما أملك، وكان درسًا في أهمية الراحة قبل اللحظات المهمة.
الموقف الثاني كان في ماراثون مطروح، وكان السباق محمومًا، كانت طلقة البداية تعلن بداية المد البشري، حصلت وقتها على فانلة بيضاء برقم 214 ولازلت أحتفظ بها حتى اليوم، وقد رأيت الغش والخداع وركوب السيارات والقوارب لاختصار المسافة، ليس من المتسابقين فقط، بل من المارة، الذين يمرون بك ويفتح لك أحدهم باب السيارة، وتجد معه متسابق أو اثنين يحاول إيصالهم بأسرع وقت إلى خط النهاية، كنت انظر لهم باستنكار، ولا أفهم كيف يجدون لذة في فوز سهل، غير أنهم وبشكل غير متوقع أفقدوني أنا لذة انجاز السباق، وكانت آخر مرة أسمح فيها بأن يخرب علي أحد إنجازاتي.
الموقف الثالث كان في مشروع شبابي بإسم Matrouh Runners وكنت مع أصدقائي نذهب للركض في السادسة صباحًا كل يوم جمعة، نلتقط الصور التذكارية، نشرب عصير القصب، ونطخوها عدس وفول!
جاء السباق رمزيًا، حصل الفائز على حظاظة مصنوعة يدويًا، وكنت أتذكر رؤية وجهه، في منتصف السباق قررت أن أجلس على الأرض، وأسندت ظهري على سور الكورنيش، ومر بجانبي هذا الوجه، أي أنني لو أكملت كان بإمكاني ربما أن أفوز بالسباق، وكان الدرس وقتها أن لا أتوقف، خطوات صغيرة تقربنا أكثر أفضل من التوقف.
الصورة بعدما قطعت خمسة كيلومترات، أستمتع بالشاطئ، أضع قدمي في المياه المالحة، وأرطب جسدي بعصير سحاب، مرتديًا تيشرت ماراثون مطروح، وسترة رياضية اشترتها لي السيدة الوالدة وأنا صغير بحجم كبير عشان تكبر معي، وقد كان. والحذاء مستلفه من أخي عبدالرحمن، كان عندي واحد شبهه ولكن دمرته.
لقطة الشاشة التي على اليمين هي ثاني مرة، وكنت أتحدي لأول خمسة كيلومترات، ولم أستطع التفوق فيها على التحدي الأول إلا بعدما قطعت نصف المسافة تقريبًا، وكان الفرق ثواني معدودة، وهو درس أتعلمه في الصبر على النتائج، والاحتفال بالإنجازات.
لقطة الشاشة التي على اليسار توضح رتم الجري Pace وفيها استعراض واضح لفكرة العبرة بالنهايات، بعيدًا عن حماس البدايات.
إذا قرأت هذه المقالة إلى النهاية اكتب لي تعليق بإسمك، أحب أن أعرف من قرأ بغض النظر عن عداد القراء.
--------------------
(1) فكرونة: سلحفاة
(2)معلمة في: أثرها باقٍ علي حتى اليوم.





تعليقات
إرسال تعليق